هل نجا السودان من قرار الأمم المتحدة بعدم التصويت؟

0 19

في الوقت الذي يحاول السودان تثبيت وجوده في المحافل الدولية وإرساء مكانته إلى ما قبل عهد حكومة “الإنقاذ”، إذ فصلته ثلاثة عقود اتُهم فيها برعاية الإرهاب، وفُرضت على البلد ذي الاقتصاد الإنتاجي عقوبات دولية حولته إلى اقتصاد ريعي، وأخلّت بعلاقاته السياسية مع المنظومة الدولية والإقليمية، تتوالى عليه القرارات الدولية الإجرائية منها والمرتبطة بالظروف السياسية الداخلية.في رسالته الموجهة إلى رئيس الأمم المتحدة في 10 يناير (كانون الثاني)، ذكر الأمين العام أنطونيو غوتيريش “11 دولة عضواً متأخرة عن سداد اشتراكاتها بموجب أحكام المادة 19 من ميثاق الأمم المتحدة، وعليه لا يكون لها حق التصويت في الجمعية العامة، إذا كانت متأخراتها مساوية لقيمة الاشتراكات المستحقة عليها في السنتين الكاملتين السابقتين أو زائداً عنها”، وجاء الخطاب بتفاصيل “المبالغ الدنيا التي يلزم تسديدها لخفض المبالغ المستحقة على تلك الدول من اشتراكاتها، بحيث تظل أقل من المبلغ الإجمالي المستحق عليها في السنتين الكاملتين (2020 و2021)”.وكان نصيب السودان 300 ألف دولار أميركي، ثم استثنى الخطاب ثلاث دول هي جزر القمر وساو تومي وبرنسيب والصومال، إذ سُمح لها بالتصويت لأن عجزها عن السداد لظروف خارجة عن إرادتها.

الجدير بالذكر أن السودان فقد حقه في التصويت ثلاث مرات سابقة، أولها في سبعينيات القرن الماضي، حين كان التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار بإدانة الاتحاد السوفياتي لإقدامه على غزو أفغانستان لدعم الحكومة الشيوعية التي تعرضت لتهديدات بسبب الحركات الاحتجاجية في ديسمبر (كانون الأول) 1979، ولم يستطع السودان التصويت والتعبير عن موقفه الذي يدين ذلك بسبب مديونية الاشتراكات، إذ تم تعطيل الزر الإلكتروني الذي يتم التصويت باستخدامه بحسب نظام الجمعية العامة، وجاء في مذكرات أحد أعمدة الدبلوماسية السودانية أن الرئيس وقتها جعفر النميري اكتشف ذلك صدفة، بعد أن اطلع على قائمة الدول المصوّتة في حين خلا اسم السودان منها.

أما المرة الثانية فكانت في فبراير (شباط) 2013 حيث فقد السودان حقه في التصويت مع 15 دولة أخرى، بسبب عدم دفعه الأموال المستحقة عليه للعامين 2011 – 2012، والبالغة حينها مليون دولار، كان ضمنها 347 ألف دولار هي التي تكفل له حق التصويت، ودفعت حينها الحكومة السودانية 516 ألف دولار، أما المرة الثالثة، ففقد السودان حق التصويت في فبراير 2017، واستعاده في عام 2018 بعد أن تجاوز العقبات الإدارية والفنية التي أدت إلى حرمانه من حق التصويت في ذلك العام.

وقال السفير علي يوسف إن “السودان واحد من ثماني دول صدر قرار بوقف حقها في التصويت في منظمة الأمم المتحدة، بسبب تراكم الديون عليه، وهي عبارة عن مساهمات تسددها هذه الدول في ميزانية الأمم المتحدة، وكل دولة لديها مساهمة محددة تبلغ بها سنوياً لتسددها، فعندما تتراكم، تتعرض هذه الدول التي تتجاوز ديونها فترات محددة للحرمان من حق التصويت”، وأوضح أن “وضع السودان في السنوات الأخيرة والاضطرابات التي يمر بها مع الظروف الاقتصادية والسياسية وغيرها، حتى قبل قيام ثورة ديسمبر (كانون الأول)، كان يمر بصعوبات كبيرة لم تمكنه من سداد هذه المساهمات في الأمم المتحدة، بالتالي تعرض لهذه العقوبة”، وأشار إلى أن “هذه العقوبة تطبقها بعض المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي الذي يطبقها على الدول غير المسددة، لكن عضوية السودان حالياً معلقة هناك بسبب إجراءات الفريق عبد الفتاح البرهان في 25  أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وهذه تعدّ عقوبة أكبر  من الحرمان من التصويت، أما جامعة الدول العربية فليس لديها هذا النظام لأن قراراتها تكون بالإجماع، ونادر جداً لجوؤها للتصويت لطبيعة القضايا التي تُطرح فيها”، وتابع أن “الحل في تسديد المتأخرات وليس هناك حل آخر، لأنه ليست هناك آليات لسداد ديون المساهمة للعضوية غير سدادها من دخلها”، وتوقع أنّه “على الرغم من الصعوبات التي يمر بها السودان إلا أنه سيبذل جهداً كبيراً لتسديد هذه المشاركات”.أضاف يوسف، “في حال لم يتمكن السودان من السداد، فينبغي النظر بواقعية إلى أن حرمانه من التصويت ليس لديه تأثير فعلي على البلاد، وذلك لأسباب عدة أولها أن ليست هناك قضايا دولية كبيرة تحتاج إلى السودان ليتخذ فيها قراراً ويصوّت لصالحها، أما السبب الثاني، فهو أنه ليست هناك قضايا مؤثرة على السودان بصورة مباشرة، فمعظم القضايا التي تهم السودان تكون دائماً في مجلس الأمن وهذه تديرها مجموعة الـ 15 عضواً، منها الخمسة الدائمة: الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وروسيا والصين، إضافة إلى 10 أعضاء أخرى في المجلس، وتابع، “هذه الدول ذات العضوية في مجلس الأمن تكون بكامل صلاحياتها وليست هناك من بينها دول لديها مشكلة ديون أو محرومة من التصويت. لذلك فإن مجلس الأمن هو الجهة الرئيسة التي يمثل الحرمان من التصويت فيه مشكلة للدول الأعضاء، لكن الدول الضعيفة التي لا تستطيع تسديد ديونها أساساً ليست مؤهلة للدخول في مجلس الأمن”، وتوقع أن “السودان لن يطلب استثناء وهو غير متاح للدول، لكن يمكن أن تدفع دولة عظمى لأخرى بغرض التصويت معها في بعض القضايا، لكن ليس هناك استثناء، إلا في حالة الدول الضعيفة والعاجزة”، وقال السفير علي يوسف أيضاً، “يمكن أن تنعكس أبعاد إقليمية ودولية، وهي أن السودان يمر بمأزق كبير وقضاياه الداخلية في مرحلة عصيبة، والأمم المتحدة أقرب للسودان في هذه المرحلة، وما يجري فيه من خلال بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس)، فهم يعلمون المأزق التاريخي الذي يمر به من انسداد أفق سياسي وغيره”.

أما الأستاذ في الجامعات السودانية محمد الناير فأشار إلى أن “هذا المبلغ، 300 ألف دولار، الذي يمثل متأخرات السودان قليل جداً مقارنة بمتأخرات الدول الأخرى المحرومة من التصويت، ومن المؤسف أن يقف في طريق السودان”، وعزا ذلك إلى “عدم المتابعة الدقيقة، إذ إن من المفترض متابعة الدولة لمثل هذه الاشتراكات في المنظمات الدولية، حتى لا يغيب السودان عن المحافل الدولية وحتى يكون له حق التصويت”، وحذر من أنّه ربما تمر قرارات كثيرة في ظل غياب السودان أو عدم مقدرته على التصويت، وتكون من القرارات التي تمس البلد أو تكون لدول لها علاقة به وبوضعه الدولي والإقليمي، موضحاً، “ربما يظهر أصحاب الأجندات الدولية والإقليمية لتمرير كثير من القرارات في ظل حرمان السودان من حقه في التصويت مع ضعف جهوده لحشد الدول لمساندة القرارات الخاصة به. وكما هو معروف في العلاقات الدولية أن الدول تساند بعضها وفقاً للمصالح الاقتصادية والسياسية وغيرها، وربما تمرر أجندتها وتصفي حساباتها مع بعضها أيضاً بنفس الوسيلة”.وشدد على أن الدول التي يتم تغييبها قليلة جداً ومصنفة كدول عاجزة وضعيفة بقوله، “تصنيف السودان خصوصاً مع انفتاحه الحالي، الذي من المفترض أن يكون له وجود فاعل في المجتمع الدولي والمحافل الدولية بصورة كبيرة، وألا يعيقه هذا المبلغ القليل، باعتبار أن الأمم المتحدة تعتمد في موازنتها السنوية على مساهمات الأعضاء في هذه المنظمة الأممية، بالتالي تأخير سداد رسوم العضوية يؤثر في الدولة إلا في حالات استثنائية أو في حالات قاهرة”، وتابع الناير أن “على السودان أن يهتم بهذا الأمر، وأن يوفي متأخراته خصوصاً أنه الآن في أمسّ الحاجة لأن يكون حاضراً، وأن التواصل الأممي يدخل في السودان بعمق من خلال بعثة “يونيتامس”، والتي تتبنى الآن مبادرة للحوار وحل القضية الأولى في السودان في المرحلة الحالية، بالتالي أي غياب سيؤثر سلباً في مجمل الأوضاع في البلاد سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو غيرها”.

من جهتها، أوردت وزارة الخارجية السودانية بحسب وكالة “سونا” للأنباء أنّه “تم إنهاء الإجراءات المالية الخاصة بسداد مساهمة السودان في ميزانية الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالتالي تمكّن السودان من الحفاظ على حقوقه الخاصة بالتصويت، وبدوره في المساهمة في صنع القرار الدولي من خلال الانخراط في الدبلوماسية متعددة الأطراف”، وأضافت الوكالة الرسمية أن “السودان لم يُحرم من حقه في التصويت فعلياً، ولكن عدم سداده كان سيؤدي لذلك وفقاً للمادة 19 من ميثاق الأمم المتحدة”.وأبدى متابعون استغرابهم في مدى التضارب بين القرارات الدولية والتصريحات السودانية الرسمية، وعدم المتابعة المباشرة لعضويته في المنظمات الدولية والإقليمية، خصوصاً بعد تعليق عضويته في الاتحاد الأفريقي، ما عدوه انتكاسة في تمثيله الخارجي، ومؤشراً إلى احتمال عودته إلى مرحلة التغييب، إذا ما سارت الأمور على هذا النحو.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.