هل يؤدي الاقتتال الداخلي إلى تفجير الوضع في إثيوبيا؟

0

قبل الدخول إلى تفاصيل المشهد الحالي في إثيوبيا، من المهم إلقاء الضوء على الصراعات العرقية داخل هذا البلد الإفريقي وموقف رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد منها.

فبعد الاضطرابات الدامية في إقليم الأورومو والحرب في إقليم تيغراي، جاء الدور على الأمهرة لتزداد وطأة الصراعات العرقية في إثيوبيا.

وتتشكل إثيوبيا من عدد من القوميات والأقاليم يتمتع كل منها بما يشبه الحكم الذاتي -أي وجود حكومة محلية تدير الإقليم- تحت مظلة الحكومة الفيدرالية ومقرها أديس أبابا العاصمة، وهذه القوميات أو الأعراق تتوزع على الشكل التالي: قومية الأورومو وتمثل 34.4% من السكان، وقومية الأمهرية وتمثل 27% والقومية الصومالية وتمثل 6.2% وقومية التيغراي وتمثل 6.1% وقومية السيداما وتمثل 4% وقومية الجوراج وتمثل 2.5%.

حرب تيغراي والتطهير العرقي

ومنذ أن شن الجيش الفيدرالي -بأوامر من آبي أحمد- هجومه على إقليم تيغراي في نوفمبر/تشرين الثاني، بدا أن الحرب في الإقليم الواقع أقصى شمال إثيوبيا، تتمحور حول السيطرة السياسية، وكان الهدف المُعلن للحكومة الفيدرالية هو اعتقال القيادات السياسية والعسكرية للحكومة الإقليمية المخلوعة، في عملية تصر إثيوبيا أنها لإنفاذ القانون.

لكن بين النخبة السياسية العرقية في أمهرة، يُنظَر إليها على أنها حرب لاستعادة الأراضي التي خسرتها في عام 1991، ولأنها ثاني أكبر مجموعة عرقية في البلاد، فقد اضطلعت ميليشيات الأمهرة والقوات الخاصة بدور محوري في الحرب، وتُدمَج الأجزاء الغربية والجنوبية من تيغراي حالياً تحت إدارة الأمهرة وسيطرتها، على الرغم من احتجاجات الحكومة الإقليمية المؤقتة في تيغراي، بحسب تقرير لمجلة Foreign Policy  الأمريكية.

فعندما بدأ الهجوم العسكري على تيغراي في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، بعد أن نفَّذت جبهة تحرير شعب تيغراي ضربة ضد القوات الفيدرالية في القيادة الشمالية (بحسب رواية أديس أبابا الرسمية)، كانت القوات الخاصة الإقليمية والميليشيات في أمهرة مستعدة للحرب لفترة طويلة، وضم الهجوم على خط الجبهة الغربي في منطقة ويلكايت في غالبه قوات الأمهرة، التي حركتها قضية استعادة الأراضي المفقودة في المقاطعات الثلاث ويلكايت تيغيدي وتسيغيدي وسيتيت هوميرا.

وطُرِد عشرات الآلاف من سكان تيغراي من أراضيهم منذ بدء الحرب، في ما وصفه وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بالتطهير العرقي، وهو اتهام ترفضه الحكومة الإثيوبية، وفي الوقت نفسه، أكد مسؤولو ولاية أمهرة مراراً وتكراراً أن المنطقة ملك لهم وأنَّ الأرض “أُخِذَت منهم بالقوة، لكن أعيدت الآن بالقوة”. وزعم المتحدث باسم ولاية أمهرة الإقليمية أنَّ رئيس الوزراء آبي أحمد وافق على إعادة ضم الأراضي المتنازع عليها إلى الأمهرة، على الرغم من احتجاجات زملائه في حكومة حزب الازدهار المؤقتة في تيغراي.

ويؤكد العاملون الدوليون في المجال الإنساني وغيرهم ممن سافروا مؤخراً إلى غرب تيغراي -الذين يرغبون في عدم الكشف عن هويتهم لأسباب تتعلق بالسلامة- أنَّ الأسماء واللافتات التيغرينية القديمة أزيلت وحل محلها علامات أمهرة، وهو ما يحدث أيضاً في مناطق الريا، جنوبي إقليم تيغراي. ويُجبَر قلة من التيغراي الباقين إما على “العودة إلى ديارهم” -أي إلى الشرق عبر نهر تيكيزي- أو “تغيير الهوية” وإعلان الولاء لأمهرة، إذ يُقال لهم عن تلك الأراضي “هذه أمهرة”. ومظهر آخر من مظاهر سيطرة أمهرة على المنطقة هي عملية، وردت عنها أنباء، تهدف لتدمير جميع بطاقات الهوية التيغرانية القديمة واستبدال بطاقات هوية أمهرية جديدة بها.

وعلى الرغم من أنَّ آبي شخصياً قد لا يؤيد إعادة ترتيب تقسيمات الأراضي بالقوة، لكن يبدو أنه ليس في وضع يسمح له بمواجهة النخبة السياسية في أمهرة بشأن هذه القضية، لأنه يعتمد بشكل كامل على دعمهم للبقاء في السلطة. وبعد وصوله إلى رئاسة الوزراء بفضل الزخم الذي ولّدته احتجاج حركة الشباب الوطني للحرية والديمقراطية (قيرو) على ورقة القومية التي كانت تلعب بها الأورومو، سرعان ما تخلى آبي عن قاعدته العرقية وانتقل إلى السياسة القومية الإثيوبية. وبهدف إضفاء الطابع المركزي على السلطة السياسية في ظل نظام فيدرالي مُعدَل، تتماشى رؤية آبي مع مصالح القوميين الأمهرة، الذين قدموا له حتى الآن دعماً مشروطاً.

هل يؤدي الاقتتال الداخلي لتفجير الأوضاع؟

ويمثل الاقتتال الداخلي استمراراً للصراع على السلطة الذي تسبب بحل التحالف الحاكم السابق للجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية في عام 2018. وحزب الازدهار هو ببساطة اسم جديد مرتبط بهياكل حزب الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية القديم، باستثناء جبهة تحرير شعب تيغراي، التي خرجت في عام 2019. وقد تسبب آبي إلى حد كبير في نفور جمهور أورومو الذي أوصله إلى السلطة، ويبدو أنه يخسر حالياً على الأقل جزءاً من قاعدة دعمه في أمهرة أيضاً.

والسؤال هو: إلى متى سيتمكن آبي من إبقاء الغطاء على الخلافات الداخلية داخل الحزب وتحقيق التوازن بين مختلف الفصائل المتناحرة. فقد تؤدي النتيجة إلى زواله السياسي. رغم الاحتمال الكبير بفوز حزب الازدهار بأغلبية ساحقة في الانتخابات الوطنية في يونيو/حزيران؛ نظراً لأنَّ أحزاب المعارضة الرئيسية قد انسحبت من العملية بسبب ما يزعمون أنه سباق غير عادل، فقد يبرز متنافسون لرئيس الوزراء من داخل الحزب من فصيل الأمهرة. 

وأوفى الكولونيل ديميكي زيدو، رئيس لجنة الهوية الأمهرية في ويلكايت، بوعده بمواصلة النضال حتى استعادة أمهرة السيطرة على ما يسمى أراضيها المفقودة. وكُرِّم زيدو على تفانيه، وهو يشغل حالياً منصب نائب الرئيس الإداري ورئيس الأمن في المنطقة الأمهرية الجديدة التي تتألف من ويلكايت وتسيغيدي وستيت-هوميرا. ولم يعترف بالمنطقة الجديدة حتى الآن إلا حكومة الأمهرة الإقليمية نفسها، لكن الفصائل الأخرى في حزب الازدهار تعارض دمجها بالقوة.

وسيحتاج آبي إلى إضفاء الطابع الرسمي على عملية إعادة ترتيب أراضي أمهرة، إما من خلال مصادقة الغرفة العليا للبرلمان الإثيوبي (الذي يسيطر عليه الحزب الحاكم بالكامل) أو من خلال قرار من لجنة الحدود الإدارية وقضايا الهوية التي عينتها الحكومة. ولإضفاء الشرعية على العملية، يمكن إجراء استفتاء على الانتماء بين السكان الجدد في المنطقة بعد الحرب. وكانت لجنة الهوية الأمهرية في ويلكايت قد عارضت في البداية إجراء استفتاء، لكن على ما يبدو بعد التطهير العرقي للتيغراي هناك، لم يعد لديها سبب للاعتراض على ذلك.

ومع ذلك، لن ينهيَ الدمج الرسمي للأراضي الواقعة تحت سيطرة أمهرة النزاع، بل سيطيله، ففي حوار عن بُعد من ساحة المعركة مع مجلة Foreign Policy، قال رئيس إقليم تيغراي المخلوع ورئيس جبهة تحرير شعب تيغراي، ديبريتسيون جيبر ميخائيل، إنه لن يكون هناك سلام أو مفاوضات قبل انسحاب جميع القوات المعادية من أراضي تيغراي، بما في ذلك قوات أمهرة الإقليمية التي تحتل حالياً غرب تيغراي. وأضاف: “نحن نقاتل من أجل هويتنا، ومن أجل حقوقنا. نحن نحارب كل الغزاة حتى النهاية”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.